يواجه الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” ردود فعل غاضبة بعد مقاطعته جلسة نقاشية في قمة “أفريقيا إلى الأمام” (Africa Forward Summit) بكينيا، مطالباً الحضور بالصمت.
اقتحم “ماكرون” المنصة لتوبيخ الحضور لما وصفه بـ”انعدام الاحترام التام”، متهماً إياهم بمقاطعة المتحدثين خلال عرض تقديمي لفنانين ورواد أعمال شباب. وكان قد وصف نفسه سابقاً بأنه “داعم للوحدة الأفريقية” خلال مؤتمر صحفي.
تهدف القمة إلى تسليط الضوء على سياسة فرنسا الجديدة تجاه القارة الأفريقية، حيث تصور باريس سياساتها كانتقال من قوة استعمارية سابقة يُنظر إليها على أنها مهيمنة، إلى ما تصفه بشراكة “متكافئة”. وأعلن ماكرون، يوم الثلاثاء، عن استثمار بقيمة 27 مليار دولار في قطاعات مختلفة في أفريقيا، تشمل الطاقة والذكاء الاصطناعي والزراعة.
انتشرت مقاطع فيديو لتدخل “ماكرون” الحاد يوم الاثنين بسرعة على مواقع التواصل الاجتماعي، ما أثار ردود فعل متباينة بين السخرية والإشادة والنقد. وبدا ماكرون مستاءً بشكل واضح من الضوضاء في القاعة، فصعد فجأة إلى المنصة وطلب من المتحدث تسليمه الميكروفون، قائلاً إنه سيعيد النظام. فانتقد – باللغة الإنجليزية – بعض الحاضرين لمقاطعتهم المتحدثين وإحداثهم فوضى أثناء الجلسة.
وفي حين أشاد بعض الحضور بتدخله، إلا أنه أثار أيضاً انتقادات داخل إفريقيا وخارجها.
قال ثيرنو مباي، طالب التاريخ في إحدى جامعات العاصمة السنغالية داكار: “تخيلوا ماذا سيحدث لو فعل زعيم أفريقي الشيء نفسه في أمريكا أو أوروبا”. وأضاف: “لقد تصرف كمعلم يوبخ أطفاله”.
وقالت دانييل أوبونو، النائبة عن حزب “فرنسا الأبية” اليساري، في منشور على موقع X: “إنها أقوى منه: بمجرد أن تطأ قدمه القارة الأفريقية، لا يسعه إلا أن يتصرف كمستعمر”.
انتكاسات دبلوماسية وعسكرية في غرب أفريقيا
تأتي قمة “أفريقيا إلى الأمام”، المقرر اختتامها يوم الثلاثاء بإعلان يُتوقع أن يوقعه رؤساء الدول الثلاثين، وسط توترات بين فرنسا ومستعمراتها السابقة، ومعظمها في غرب أفريقيا، والتي ترفض سياسة فرنسا الاستعمارية للهيمنة الاقتصادية والسياسية والعسكرية – المعروفة باسم “فرانس أفريك”، والتي تضمنت إبقاء آلاف الجنود في المنطقة التي سيطرت عليها.
وقد سحبت فرنسا معظم قواتها من المنطقة بعد سنوات من الانتقادات من قادة وأحزاب المعارضة في العديد من دول غرب أفريقيا لما وصفوه بالنهج المهين والقمعي. وأكملت سحب قواتها من السنغال في يوليو.
وفي يوم الأحد، وقبل قمة “أفريقيا إلى الأمام”، كان “ماكرون” قد واجه انتقادات لتصريحه في مؤتمر صحفي إلى جانب الرئيس الكيني “ويليام روتو”، قائلا: “نحن دعاة الوحدة الأفريقية الحقيقيون”. وأضاف: “نؤمن بأن أفريقيا قارة، وأن هذه القارة لديها الكثير لبنائه”.
يشير مصطلح “الوحدة الأفريقية” إلى أيديولوجية تسعى إلى توحيد الأفارقة والقضاء على الاستعمار. ونظرًا لتاريخ فرنسا الاستعماري في القارة الأفريقية، أثار هذا التصريح ردود فعل غاضبة في وسائل التواصل الاجتماعي.
وقالت فريدة نابوريما، ناشطة حقوق الإنسان التوغولية، في رسالة مفتوحة يوم الاثنين: “الوحدة الأفريقية ليست مجرد شعار يا سيد ماكرون، وليست موقفًا دبلوماسيًا. …. إنها فلسفة سياسية رفضت كل ما وافقت عليه فرنسا على مدى ثلاثة قرون: العبودية، والاستعمار، والاستعمار الجديد”.
وقالت بيفرلي أوشينغ، كبيرة المحللين في شركة “كونترول ريسكس” للاستشارات في مجال المخاطر الجيوسياسية، إن “ماكرون” يحاول النأي بفرنسا عن انتكاساتها الدبلوماسية والعسكرية في غرب أفريقيا بالتوجه شرقًا، في إشارة إلى أن أولوياتها الاستراتيجية باتت تتبع ما تجد فيه حسن النية. وأشارت إلى أن تصريحاته تثير تساؤلات حول ما إذا كان انخراط فرنسا المتجدد مع أفريقيا يمثل شراكة متكافئة حقيقية أم مجرد خطاب ملائم.
يضاف إلى ما سبق أن “ماكرون” قال يوم الثلاثاء إن باريس ستحترم استقلال كل دولة أفريقية، وإن “السيادة والاستقلال الذاتي مشتركان، ونجاحكم هو نجاحنا”.
“روسيا .. غير أصيل ومُستغل سياسيًا”
يرى “عليون تين”، مؤسس مركز أفريكاجوم للأبحاث، إن تصريح ماكرون قد يكون أيضًا تلميحًا مبطنًا لروسيا، التي حلت محل فرنسا كشريك أمني رئيسي في بعض دول غرب أفريقيا.
وفي حدّ تعبير “تين”: “عندما يصف ماكرون نفسه بأنه “القومي الأفريقي الحقيقي”، فهذا أيضًا ردٌّ ضمني على الأصوات القومية الأفريقية الموالية لروسيا على الإنترنت، والتي يميل المسؤولون الفرنسيون إلى اعتبارها غير أصيلة أو أنها مُستغلِّة سياسيًا”.
وأوضح “تين” أن طبيعة العلاقات بين القوى الغربية والدول الأفريقية تتسم بالوصاية، وفرنسا ليست استثناءً، لكن “ماكرون” يحاول تغيير سياسته بعيدًا عن الإرث الاستعماري من خلال أسلوب دبلوماسي مرن يهدف إلى إعادة بناء الثقة.