ماذا وراء تراجع مكاسب الأسواق المالية في أفريقيا؟

8 دقيقة لقراءته
بورصة نيروبي للأوراق المالية (NSE).

في حين تواجه المراكز المالية العالمية تباطؤًا في النمو وارتفاعًا في أسعار الفائدة، دخلت أسواق رأس المال الأفريقية عام 2026 بزخم ملحوظ، مدفوعةً بالأداء القوي للأسهم، وتزايد مشاركة المستثمرين، والتوجه المطرد نحو التكامل القاري. وفي البورصات الرئيسية تجاوزت العوائد معدل النمو الاقتصادي العام.

ويؤكد على ما سبق أنه يُتوقع بلوغ الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى حوالي 4.0-4.2% في عام 2026، مما يعكس نموًا إقليميًا ثابتًا وإن كان معتدلًا. وواصل مؤشر بورصة نيجيريا (NGX) صعوده المتواصل لعدة سنوات، حيث يقترب مؤشر جميع الأسهم من حاجز 200,000 نقطة بعد أن حقق مكاسب تجاوزت 45% في عام 2023، وحافظ على زخمه حتى عام 2025. ويبلغ إجمالي القيمة السوقية حاليًا حوالي 75-80 مليار دولار أمريكي، وفقًا لبيانات البورصة.

وسجل سوق الأسهم الجنوب أفريقي (بورصة جوهانسبرغ) مكاسب قوية تجاوزت 30% إلى 35% خلال العام الماضي، مدعومة بأداء قوي في قطاعات المال والتعدين والأسهم المرتبطة بالموارد، إلى جانب قوة مستمرة في مؤشر السوق الأوسع. كما حقق سوق الأوراق المالية في نيروبي مكاسب قوية تجاوزت 10% في فترات التداول الأخيرة، مدفوعة بتحسن المعنويات وأداء أسهم البنوك والاتصالات وأسهم الشركات الاستهلاكية الكبرى.

ورغم أن هذا الزخم قد عزز التفاؤل بين المشاركين في الأسواق، إلا أن هذه المكاسب لا تزال محدودة بسبب تقلبات العملة، التي لا تزال تؤثر على العوائد الحقيقية للمستثمرين؛ فقد انخفضت قيمة النيرة النيجيرية بشكل حاد منذ إصلاحات الصرف الأجنبي في عام 2023، حيث فقدت أكثر من نصف قيمتها مقابل الدولار الأمريكي، بينما شهد الجنيه المصري أيضًا انخفاضات متكررة في قيمته. ونتيجة لذلك، فإن غالبية مكاسب الأسهم التي تتراوح بين 30% و40% بالعملة المحلية، تُترجم بالدولار إلى عوائد أقل بكثير، أو حتى سلبية.

السيولة وعمق رأس المال من أهم المعوقات

في أسواق رأس المال الأفريقية عام 2026، يتكرر بروز تناقضٍ واحد، وهو أن حجم الأسواق يتوسع بوتيرة أسرع من نمو سيولتها. وتُجسّد نيجيريا هذا الأمر بوضوح، إذ تُظهر البيانات الحديثة أن سوق رأس المال أضاف أكثر من 43.9 مليار دولار أمريكي إلى قيمته خلال 20 شهرًا، مرتفعًا من حوالي 35 مليار دولار إلى أكثر من 78 مليار دولار، بينما ارتفعت مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي من 13% إلى 33% خلال الفترة نفسها. وهذا، ظاهريًا، يُشير إلى تعميق مالي سريع، إلا أنه عمليًا، لم يواكب النشاط التجاري نمو القيمة السوقية، ولا تزال السيولة محدودة.

وعلى سبيل المثال، في بورصة نيجيريا، يتراوح متوسط ​​حجم التداول اليومي عادةً بين 10 و20 مليون دولار. وبالنسبة لسوق تقترب قيمتها السوقية من 80 مليار دولار، يُعد هذا المستوى من النشاط منخفضًا نسبيًا، والأهم من ذلك، أنه غير موزع بالتساوي.

بل يتركز التداول بشكل كبير في مجموعة محدودة من أسهم الشركات الكبرى، بما في ذلك “دانغوت للأسمنت” (Dangote Cement)، و “إم تي إن” نيجيريا (MTN Nigeria)، وشركة “غارنتي ترست” القابضة (Guaranty Trust Holding)، و “زينيث بنك” (Zenith Bank)، و “أكسيس هولدينغز” (Access Holdings)، و “سيبلات إنرجي” (Seplat Energy).

تستحوذ هذه الأسهم على حصة كبيرة من حجم وقيمة التداول اليومي، لتشكل بذلك جوهر السيولة المتاحة للتنفيذ في السوق. وخارج هذه الفئة، ينخفض ​​نشاط التداول بشكل حاد. وتعاني العديد من أسهم الشركات المتوسطة والصغيرة من انخفاض معدل دورانها، واتساع فروق أسعار العرض والطلب، وضعف دفاتر الطلبات، مما يصعب تنفيذ صفقات كبيرة دون التأثير على الأسعار.

يخلق هذا خللاً هيكلياً؛ إذ يستطيع المستثمرون الدخول في مراكز أسهم الشركات الكبرى بسهولة نسبية، لكن الخروج من المراكز في الأسهم الأقل نشاطاً يتطلب غالبا تنازلات سعرية، مما يزيد من تكاليف المعاملات ويضعف آلية اكتشاف الأسعار. وهذا يعني، في الواقع، أن السيولة موجودة، ولكنها محصورة في جيوب مركزة.

تعكس تجربة نيجيريا نمطاً قارياً أوسع. في بورصة جوهانسبرغ، تصل قيمة التداول اليومي في كثير من الأحيان إلى ما بين 800 مليون دولار وأكثر من مليار دولار، مدعومة بقاعدة مؤسسية أوسع. مع ذلك، حتى في هذه الحالة، تبقى السيولة مركزة في مجموعة محدودة من الشركات الكبيرة المتكاملة عالميًا، مع انخفاض حجم التداول في السوق الأوسع.

يتضح حجم فجوة السيولة عند مقارنتها بحجم السوق: يُحقق سوق الأسهم النيجيري معدل دوران يومي يتراوح بين 0.01% و0.03% تقريبًا. في المقابل، تُسجل جنوب أفريقيا ما بين 0.08% و0.1%، والهند ما بين 0.3% و0.5%، والولايات المتحدة ما بين 0.4% و0.6% تقريبًا. ومن هذه الأرقام يتضح هيكل سوق ليس أصغر حجمًا فحسب، بل أضعف سيولةً أيضًا مقارنةً بحجمه. ويدخل رأس المال أسرع من دورانه، مما يجعل الأسعار أكثر حساسية للتدفقات الصغيرة نسبيًا، ويزيد من التقلبات خلال فترات الأزمات.

وكما أشار المدير العام لهيئة الأوراق المالية والبورصات النيجيرية، إيموموتيمي أغاما، “يجب أن يكون السوق أكثر من مجرد سوق كبير، بل يجب أن يكون أيضًا سوقًا سائلًا”. فبدون مشاركة أوسع ونشاط تداول أعمق، لا يُترجم ارتفاع القيمة السوقية تلقائيًا إلى عمق سوق فعال.

هنا يصبح التكامل القاري أكثر من مجرد فكرة سياسية.

إصلاحات هيكلية ضرورية لتعزيز عمق السيولة

يتطلب معالجة قيود السيولة في أفريقيا ما يتجاوز استمرار توسّع السوق. وتشير بيانات السوق والتعليقات التنظيمية إلى أن السيولة لا تتحسن إلا بتوسيع نطاق المشاركة واستمرار التداول عبر مجموعة أوسع من الأوراق المالية.

ففي نيجيريا، لا يزال النشاط في البورصة مُركزًا في مجموعة ضيقة من أسهم الشركات الكبرى، مما يحد من عمق السيولة في السوق الأوسع. وقد حذر المدير العام لهيئة الأوراق المالية والبورصات من أن هذا التركيز يُضعف آلية اكتشاف الأسعار ويُصعّب على المستثمرين الخروج من مراكزهم بكفاءة.

لذا، يُعد توسيع مشاركة المؤسسات أمرًا بالغ الأهمية؛ إذ في الأسواق الأكثر سيولة، تُوفر صناديق التقاعد ومديرو الأصول تدفقات ثابتة عبر القطاعات وشرائح السوق، بدلًا من تركيز رأس المال في عدد محدود من الشركات. ويعكس حجم النشاط في بورصة نيويورك و ناسداك هذا العمق، حيث تدعم السيولة قاعدة واسعة ونشطة من المستثمرين.

كما يلعب هيكل السوق دورًا حاسمًا: ففي أسواق مثل الهند، يدعم صُنّاع السوق ونظام متطور للمشتقات المالية نشاط التداول في بورصة الهند الوطنية، مما يُسهم في استدامة التداول وتحسين سيولة الأسهم الأساسية. ولا تزال أطر مماثلة محدودة في العديد من البورصات الأفريقية، حيث يعتمد التداول بشكل كبير على التوفيق بين المشترين والبائعين.

يهدف مشروع ربط البورصات الأفريقية (African Exchanges Linkage Project) إلى معالجة هذا التشتت تحديدًا من خلال ربط عدة بورصات في شبكة تداول مشتركة. ومن الناحية النظرية، يُمكن للمستثمر في لاغوس الوصول إلى مصادر سيولة أكبر في جوهانسبرغ أو القاهرة دون الاعتماد على وسطاء خارجيين.

يصف “جود تشيميكا”، الرئيس التنفيذي للبورصة النيجيرية المحدودة، هذا بأنه نقطة تحول هيكلية في مقابلة مع “فاينانس إن أفريكا”. ويقول: “إذا كنت مهتمًا بقطاع معين ولم تجد الأسماء المناسبة محليًا، يُمكنك الآن البحث في أسواق أفريقية أخرى. هذا يُحسّن السيولة وإمكانية الوصول.”

وبالرغم من توفّر البنية التحتية، إلا أن الاختلافات في الأنظمة والتسويات وضوابط رأس المال لا تزال تُحدّ من التأثير الكامل للمشروع. ويظل استقرار العملة عاملًا رئيسيًا آخر، إذ لطالما أدت فترات تقلب أسعار الصرف إلى انخفاض تدفقات الاستثمارات الأجنبية، حيث يوازن المستثمرون بين مخاطر العملة وعوائد الأسهم. ولا يزال هذا يؤثر على سيولة السوق بشكل عام، حتى خلال فترات الأداء المحلي القوي.

وبالنظر إلى هذه العوامل مجتمعة، يتضح لنا استنتاجٌ جليّ: لن تتحسن سيولة الأسواق الأفريقية من خلال النمو وحده، بل ستعتمد على مشاركة أوسع، وهياكل سوقية أقوى، وبيئة اقتصادية كلية أكثر استقرارًا.

شارك هذا المقال
متابعة
نشر الأخبار والمتابعات والتطورات الأخرى.